فيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها ، إلا لمن خصه الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة ، ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف ، وهو أن هذا الرسول منكم ، فكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا فهو عائد إليكم . وأيضًا فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم ، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقكم ، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها ، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة ، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق ، وأن الأب مشفق ، صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة ، وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان . فكذا ههنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند الله ، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير ، ثم قال للرسول عليه السلام: فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله { فَقُلْ حَسْبِىَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } [ التوبة: 129 ] وهذه الخاتمة لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال .
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع من الصفات:
الصفة الأولى: قوله: { مِّنْ أَنفُسِكُمْ } وفي تفسيره وجوه: الأول: يريد أنه بشر مثلكم كقوله: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } [ يونس: 2 ] وقوله: { إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } [ فصلت: 6 ] والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس ، على ما مر تقريره في سورة الأنعام . والثاني: { مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من العرب قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات ، مضرها وربيعها ويمانيها ، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية ، واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى: { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } [ آل عمران: 164 ] والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته ، والقيام بخدمته ، كأنه قيل لهم: كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم ، لأنه منكم ومن نسبكم . والثالث: { مِّنْ أَنفُسِكُمْ } خطاب لأهل الحرم ، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته ، وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه ، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه؟
والقول الرابع: أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته ، كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة ، وتعرفون كونه حريصًا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم ، وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم . وقرىء { مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من أشرفكم وأفضلكم ، وقيل: هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة Bهما .