الحكم السابع عشر
الوفاة
فيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم { وَصِيَّة } بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع ففيه أقوال الأول: أن قوله: { وَصِيَّة } مبتدأ وقوله: { لأَزْوَاجِهِم } خبر ، وحسن الابتداء بالنكرة ، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع ، كما حسن قوله: سلام عليكم ، وخير بين يديك والثاني: أن يكون قوله: { وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم } مبتدأ ، ويضمر له خبر ، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم ، ونظيره قوله: { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [ البقرة: 237 ] ، { فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ } [ النساء: 92 ] ، { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } [ المائدة: 89 ] والثالث: تقدير الآية: الأمر وصية ، أو المفروض ، أو الحكم وصية ، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع: تقدير الآية: كتب عليكم وصية والخامس: تقديره: ليكون منكم وصية والسادس: تقدير الآية: ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول ، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة ، وأما قراءة النصب ففيها وجوه الأول: تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني: تقديرها: توصون وصية ، كقولك: إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث: تقديرها: ألزم الذين يتوفون وصية .
أما قوله تعالى: { متاعا } ففيه وجوه الأول: أن يكون على معنى: متعوهن متاعًا ، فيكون التقدير: فليوصوا لهن وصية ، وليمتعوهن متاعًا الثاني: أن يكون التقدير: جعل الله لهن ذلك متاعًا لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث: أنه نصب على الحال .
أما قوله: { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } ففيه قولان الأول: أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال: متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني: انتصب بنزع الخافض ، أراد من غير إخراج .
المسألة الثانية: في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول: وهو اختيار جمهور المفسرين ، أنها منسوخة ، قالوا: كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة ، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج ، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول ، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها ، هذا جملة ما في هذه الآية ، لأنا إن قرأنا { وَصِيَّة } بالرفع ، كان المعنى: فعليهم وصية ، وإن قرأناها بالنصب ، كان المعنى: فليوصوا وصية ، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة ، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما: المتاع والنفقة إلى الحول والثاني: السكنى إلى الحول ، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما: وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني: وجوب الاعتداد سنة ، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين ، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها ، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخًا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول ، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله: