فهرس الكتاب

الصفحة 3707 من 8321

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ ، أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد . وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في بيان أن إنكار الحشر والنشر ليس من العلوم البديهية ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن العقلاء اختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه . وقال بإمكانه عالم من الناس ، وهم جمهور أرباب الملل والأديان . وما كان معلوم الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه . الثاني: أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة ، وعرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين ، وعرضنا عليها أيضًا هذه القضية ، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى . الثالث: أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أولا نقول به . فإن قلنا به فقد زال الإشكال بالكلية ، فإنه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى ، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى . وإن أنكرنا القول بالنفس فالاحتمال أيضًا قائم ، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركب تلك الأجزاء المفرقة تركيبًا ثانيًا ، ويخلق الأنسان الأول مرة أخرى . والرابع: أنه سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر ونحن نجمعها ههنا .

فالمثال الأول: أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف ، ونرى اليبس مستوليًا عليها بسبب شدة الحر في الصيف . ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء والربيع ، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة كما قال تعالى: { والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النشور } [ فاطر: 9 ] وثانيها: قوله تعالى: { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ } [ الحج: 5 ] إلى قوله: { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْىِ الموتى } [ الحج: 6 ] وثالثها: قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يهيج فتراه مصفرًا ثم يجعله حطامًا إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } [ الزمر: 21 ] والمراد كونه منبهًا على أمر المعاد . ورابعها: قوله: { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ } [ عبس: 21 24 ] وقال عليه السلام: « إذا رأيتم الربيع فأكثروا ذكر النشور » ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه .

المثال الثاني: ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن ، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال ، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن .

وإذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضًا تكون كله ، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت