{ وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ الواقعة: 61 ] يعني أنه سبحانه لما كان قادرًا على إنشاء ذواتكم أولًا ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيًا شيئًا فشيئًا من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه . فوجب القطع أيضًا بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة .
المثال الثالث: أنه تعالى لما كان قادرًا على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق ، فلأن يكون قادرًا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى ، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة ، منها في هذه الآية وهو قوله: { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } وثانيها: قوله تعالى في سورة يس: { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ يس: 79 ] وثالثها: قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } [ الواقعة: 62 ] ورابعها: قوله تعالى: { أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ ق: 15 ] وخامسها: قوله تعالى: { أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يمنى } [ القيامة: 36 ، 37 ] إلى قوله: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى } [ القيامة: 40 ] وسادسها: قوله تعالى: { ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } [ الحج: 5 ] إلى قوله: { ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق وَأَنَّهُ يُحْىِ الموتى وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور } [ الحج: 6 ، 7 ] فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور: الأول: أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله: { إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } كأنه تعالى يقول: لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات متعاقبة؟ والثاني: أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة . والثالث: أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر .
والآية السابعة: في هذا الباب قوله تعالى: { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الإسراء: 50 ، 51 ] .
المثال الرابع: أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال: إنه لا يقدر على إعادتها؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلًا ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلًا كان أولى وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة: منها: قوله تعالى: { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } [ يس: 81 ] وثانيها: قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْىِ الموتى }