فهرس الكتاب

الصفحة 3222 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } [ الأعراف: 129 ] لا جرم بدأ ههنا بذكر ما أنزله بفرعون وبقومه من المحن حالًا بعد حال ، إلى أن وصل الأمر إلى الهلاك تنبيهًا للمكلفين على الزجر عن الكفر والتمسك بتكذيب الرسل ، خوفًا من نزول هذه المحن بهم . فقال: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: السنين جميع السنة قال أبو علي الفارسي: السنة على معنيين: أحدهما: يراد بها الحول والعام والآخر يراد بها الجدب وهو خلاف الخصب فمما أريد به الجدب هذه الآية وقوله A: « اللهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسف » وقول عمر Bه: إنا لا نقع في عام السنة ، فلما كانت السنة يعني بها الجدب ، اشتقوا منها كما يشتق من الجدب . ويقال: أسنتوا ، كما يقال أجدبوا . قال الشاعر:

ورجال مكة مسنتون عجاف ... قال أبو زيد: بعض العرب تقول ، هذه سنين ورأيت سنينًا ، فتعرب النون . ونحوه . قال الفراء: ومنه قول الشاعر:

دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا وشيبننا مردا

قال الزجاج: السنين في كلام العرب الجدوب ، يقال مستهم السنة ومعناه: جدب السنة . وشدة السنة .

إذا عرفت هذا فنقول: قال المفسرون: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } يريد الجوع والقحط عامًا بعد عام ، فالسنون لأهل البوادي { وَنَقْصٍ مّن الثمرات } لأهل القرى .

ثم قال تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: ظاهر الآية أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار لأجل أن يرجعوا عن طريقة التمرد والعناد إلى الانقياد والعبودية ، وذلك لأن أحوال الشدة ترقق القلب وترغب فيما عند الله ، والدليل عليه قوله تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } [ الإسراء: 67 ] وقوله: { وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } [ فصلت: 51 ] .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه أن يتذكروا ، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر .

أجاب الواحدي عنه: بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن ، لا بمعنى أنه تعالى يمتحنهم ، لأن ذلك على الله تعالى محال ، بل بمعنى أنه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء والامتحان ، فكذا ههنا والله أعلم .

ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال: { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه } قال ابن عباس: يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة { قَالُواْ لَنَا هذه } أي نحن مستحقون على العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه . وقوله: { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءموا به . ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه ، والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله: { يَطَّيَّرُواْ } هو في الأصل يتطيروا ، أدغمت التاء في الطاء ، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله: { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله } في الطائر قولان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت