فهرس الكتاب

الصفحة 3244 من 8321

اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية ، وهذا أيضًا أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى ، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة .

واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله: { اصطفيتك } أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس: يريد فضلتك على الناس ، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال: { برسالاتي وبكلامي } قرأ ابن كثير ونافع { برسالتي } على الواحد والباقون { برسالاتي } على الجمع ، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى ، ومن قرأ { برسالتي } فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر ، فيجوز إفرادها في موضع الجمع ، وإنما قال: { اصطفيتك عَلَى الناس } ولم يقل على الخلق ، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام .

فإن قيل: كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيرًا من الناس قد ساواه في الرسالة؟

قلنا: إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين ، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة ، وهذا المجموع ما حصل لغيره ، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة ، وإنما كان الكلام بغير واسطة سببًا لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر ، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالًا وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب ، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة . قال: { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشاكرين } يعني فخذ هذه النعمة ، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية ، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علمًا وعملًا والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت