فهرس الكتاب

الصفحة 1517 من 8321

هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق ، وهو بيان أن الذي يجوز الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في بيان سبب النزول وجوه أحدها: أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها ، وكذلك جدتها وهما مشركتان ، أتيا أسماء يسألانها شيئًا فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله A فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأمرها رسول الله A أن تتصدق عليهما .

والرواية الثانية: كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئًا فنزلت هذه الآية .

والرواية الثالثة: أنه A كان لا يتصدق على المشركين ، حتى نزلت هذه الآية فتصدق علهيم والمعنى على جميع الروايات: ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه الله ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، ونظيره قوله تعالى: { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ } [ الممتحنة: 8 ] فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين .

المسألة الثانية: أنه A كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى: { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفًا } [ الكهف: 6 ] { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء: 3 ] وقال: { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ يونس: 99 ] وقال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } [ التوبة: 128 ] فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيرًا ونذيرًا ، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا ومبينًا للدلائل ، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى هاهنا بمعنى الإهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم ، وفيه وجه آخر: ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار .

المسألة الثالثة: ظاهر قوله { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } خطاب مع النبي A ولكن المراد به هو وأمته ، ألا تراه قال: { إِن تُبْدُواْ الصدقات } [ البقرة: 271 ] وهذا خطاب عام ، ثم قال: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } وهو في الظاهر خاص ، ثم قال بعده { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ } وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضًا .

أما قوله تعالى: { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا: لأن قوله { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } إثبات للهداية التي نفاها بقوله { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لكن المنفي بقوله { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار ، فكان قوله { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء } عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعًا بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت