فهرس الكتاب

الصفحة 1516 من 8321

أما قوله تعالى: { وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: التكفير في اللغة التغطية والستر ، ورجل مكفر في السلاح مغطى فيه ، ومنه يقال: كفر عن يمينه ، أي ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة ، والكفارة ستارة لما حصل من الذنب .

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر { نَّكْفُرَ } بالنون ورفع الراء وفيه وجوه أحدها: أن يكون عطفًا على محل ما بعد الفاء والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر والثالث: أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأ بمستأنفة منقطعة عما قبلها ، والقراءة الثانية قراءة حمزة ونافع والكسائي بالنون والجزم ، ووجهه أن يحمل الكلام على موضع قوله { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فإن موضعه جزم ، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لثوابكم ، لجزم فيظهر أن قوله { خَيْرٌ لَّكُمْ } في موضع جزم ، ومثله في الحمل على موضع الجزم قراءة من قرأ { مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } [ الأعراف: 186 ] بالجزم ، والقراءة الثالثة قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم { يَكْفُرْ } بالياء وكسر الفاء ورفع الراء ، والمعنى: يكفر الله أو يكفر الاخفاء ، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد ، وهو قوله { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فقوله { يَكْفُرْ } يكون أشبه بما بعده ، والأولون أجابوا وقالوا لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولًا ثم لفظ الأفراد ثانيًا كما أتى بلفظ الأفراد أولًا والجمع ثانيًا في قوله { سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا } [ الإسراء: 1 ] ثم قال: { وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب } [ الإسراء: 2 ] ونقل صاحب «الكشاف» قراءة رابعة { وتكفر } بالتاء مرفوعًا ومجزومًا والفاعل الصدقات ، وقراءة خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب بإضمار { إن } ومعناها إن تخفوها يكن خير لكم ، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم .

المسألة الثالثة: في دخول { مِنْ } في قوله { مّن سَيّئَاتِكُمْ } وجوه أحدها: المراد: ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك ، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة ، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله بين الخوف والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني: أن يكون { مِنْ } بمعنى من أجل ، والمعنى: ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم ، كما تقول: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك والثالث: أنها صلة زائدة كقوله { فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } [ محمد: 15 ] والتقدير: ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح .

ثم قال: { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية ، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته ، فقد حصل مقصودكم في السر ، فما معنى الإبداء ، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت