فهرس الكتاب

الصفحة 5776 من 8321

لما استدل بقوله تعالى: { خُلِقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ } على الوحدانية ، وبين بحكاية لقمان أن معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة ، وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة بالغة ، ولو كان تعبدًا محضًا للزم قبوله ، فضلًا عن أنه على وفق الحكمة ، استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مرارًا أن الملك يخدم لعظمته ، وإن لم ينعم ويخدم لنعمته أيضًا ، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي . وذكر بعض النعم بقوله: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء } [ لقمان: 10 ] ذكر بعده عامة النعم فقال: { سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السموات } أي سخر لأجلكم ما في السموات ، فإن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده ، وسخر ما في الأرض لأجل عباده ، وقوله: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة } وهي ما في الأعضاء من السلامة { وَبَاطِنَةً } وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة ، ألا ترى أن العين والأذن شحم وغضروف ظاهر ، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر ، وفي كل واحد معنى باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم ، وكذلك كل عضو ، وقد تبطل القوة ويبقى العضو قائمًا ، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله: { مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } يكون إشارة إلى النعم الآفاقية ، وقوله: { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } يكون إشارة إلى النعم الأنفسية ، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب التفاسير ، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولًا منقولًا ، وإن لم يكن فلا يخرج من أن يكون سائغًا معقولًا .

ثم قال تعالى: { وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله } يعني لما ثبت الوحدانية بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره ، إما إلهًا أو منعمًا { بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم والهدى والكتاب ، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب ، وبيانه هو أن العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد ، ثم الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من إلهام ووحي ، فقال تعالى: { يجادل } ذلك المجادل لا من علم واضح ، ولا من هدى أتاه من هاد ، ولا من كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علمًا كما قال تعالى: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء: 113 ] والثاني: إشارة إلى مرتبة من هدى إلى صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى } [ النجم: 5 ] والثالث: إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى: { الم * ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت