فهرس الكتاب

الصفحة 4319 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبًا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرًا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولًا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله: { وَنَبّئْهُمْ } راجع إلى قوله: { عِبَادِى } والتقدير: ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم ، يقال: أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضًا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار .

المسألة الثانية: الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانًا لطلب القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة .

فإن قيل: كيف سماهم ضيفًا مع امتناعهم عن الأكل؟

قلنا: لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك . وقيل أيضًا: إن من يدخل دار الإنسان ويلتجىء إليه يسمى ضيفًا وإن لم يأكل ، وقوله تعالى: { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلامًا أو سلمت سلامًا ، فقال إبراهيم: { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي خائفون ، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل . وقيل: لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ الحسن: { لاَ تَوْجَلْ } بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه . وقرىء لا تأجل ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود . وقوله: { قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } فيه أبحاث:

البحث الأول: قرأ حمزة: { إِنَّا نُبَشّرُكَ } بفتح النون ، وتخفيف الباء ، والباقون: { نُبَشّرُكَ } بالتشديد .

البحث الثاني: قوله: { إنا نُبَشّرُكَ } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ، والمعنى: أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل .

البحث الثالث: قوله: { إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام عَلِيمٍ } بشروه بأمرين: أحدهما: أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليمًا ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل: بشروه بنبوته بعده . وقيل: بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون ، فمعنى: { على } ههنا للحال أي حالة الكبر ، وقوله: { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } فيه مسألتان:

المسألة الأولى: لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة تبشروني؟

فإن قيل: في الآية إشكالان: الأول: أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر . الثاني: كيف قال: { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما فائدة هذا الإستفهام . قال القاضي: أحسن ما قيل في الجواب عن ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شابًا ، ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت