فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين .
قلنا: إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة وقوله: فلا تكن من القانطين . لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: { وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضًا: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلبًا للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلبًا لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله: { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة: 260 ] وقيل أيضًا: استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟
المسألة الثانية: قرأ نافع: { تُبَشّرُونَ } بكسر النون خفيفة في كل القرآن ، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها . والباقون بفتح النون خفيفة ، أما الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالًا لاجتماع المثلين وطلبًا للتخفيف قال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون . قال: وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه: بأنه أسقط حرفًا واحدًا وهي النون التي هي علامة للرفع . وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع: { وَلاَ تَكُ } وفي موضع: { وَلاَ تَكُن } فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة الرفع وهي مفتوحة أبدًا ، وقوله: { بشرناك بالحق } قال ابن عباس: يريد بما قضاه الله تعالى والمعنى: أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق عليه السلام . ويخرج من صلب إسحق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحق أكثر الأنبياء فقوله: { بالحق } إشارة إلى هذا المعنى وقوله: { فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين } نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط وقد ذكرنا كثيرًا أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهى فاعلًا للمنهى عنه كما في قوله: