فهرس الكتاب

الصفحة 4832 من 8321

واعلم أنه تعالى لما قال من قبل: { فَوَرَبّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين } [ مريم: 68 ] ثم قال: { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } [ مريم: 68 ] أردفه بقوله: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } يعني جهنم واختلفوا فقال بعضهم المراد من تقدم ذكره من الكفار فكنى عنهم أولًا كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة ، قالوا: إنه لا يجوز للمؤمنين أن يردوا النار ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء: 101 ] والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها . والثاني: قوله: { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } [ الأنبياء: 102 ] ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها . وثالثها: قوله: { وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ } [ النحل: 89 ] وقال الأكثرون: إنه عام في كل مؤمن وكافر لقوله تعالى: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فلم يخص . وهذا الخطاب مبتدأ مخالف للخطاب الأول ، ويدل عليه قوله: { ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا } أي من الواردين من اتقى ولا يجوز أن يقال: { ثُمَّ نُنَجّى الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيًّا } إلا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول ، ثم هؤلاء اختلفوا في تفسير الورود فقال بعضهم: الورود الدنو من جهنم وأن يصيروا حولها وهو موضع المحاسبة ، واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله تعالى: { فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } [ يوسف: 19 ] ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل الماء وقال تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مّنَ الناس يَسْقُونَ } [ القصص: 23 ] وأراد به القرب . ويقال: وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول جهنم: { كَانَ على رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا } [ مريم: 71 ] أي واجبًا مفروغًا منه بحكم الوعيد ثم ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء: 101 ] ومما يؤكد هذا القول ما روي أنه A قال:"لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية فقالت حفصة: أليس الله يقول: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا"ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازمًا . القول الثاني: أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [ الأنبياء: 98 ] وقال: { فَأَوْرَدَهُمُ النار وَبِئْسَ الورد المورود } [ هود: 98 ] ويدل عليه قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريبًا فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار ، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى: { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيًّا } وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلا بد وأن يكونوا قد دخلوا النار ، وأما الخبر فهو أن عبد الله بن رواحة قال: « أخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور ، فقال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت