قوله تعالى: { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِن ثلاثة قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر } .
اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكامًا كثيرة للطلاق:
فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة: اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها ، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة ، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة ، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع ، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع ، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولًا بها أو لا تكون ، فإن لم تكن مدخولًا بها لم تجب العدة عليها ، قال الله تعالى: { إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } [ الأحزاب: 49 ] وأما إن كانت مدخولًا بها فهي إما أن تكون حائلًا أو حاملًا ، فإن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى: { وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } [ الطلاق: 4 ] وأما إن كانت حائلًا فأما أن يكون الحيض ممكنًا في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط ، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء ، قال الله تعالى: { واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض } [ الطلاق: 4 ] وأما إذا كان الحيض في حقها ممكنًا فإما أن تكون رقيقة ، وإما أن تكون حرة ، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة ، أما إذا كانت المرأة منكوحة ، وكانت مطلقة بعد الدخول ، وكانت حائلًا ، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة ، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب ، يقال في الثوب: إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد ، أو حصل فيه بياض قليل ، فأما إذا كان الغالب عليه البياض ، وكان السواد قليلًا ، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذبًا ، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصًا أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر ، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسمًا واحدًا ، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى .
والجواب: أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها: إنها مطلقة ، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم ، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل ، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء ، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما ، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم .