وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله { إِنَّ هَذَا } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ومن الدعاء إلى المباهلة { لَهُوَ القصص الحق } والقصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين ، ويرشد إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره ، والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل .
المسألة الثانية: { هُوَ } في قوله { لَهُوَ القصص الحق } فيه قولان أحدهما: أن يكون فصلًا وعمادًا ، ويكون خبر { إِن } هو قوله { القصص الحق } .
فإن قيل: فكيف جاز دخول اللام على الفصل؟ .
قلنا: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود ، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ .
والقول الثاني: إنه مبتدأ ، والقصص خبره ، والجملة خبر { إِن } .
المسألة الثالثة: قرىء { لَهُوَ } بتحريك الهاء على الأصل ، وبالسكون لأن اللام ينزل من { هُوَ } منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد .
المسألة الرابعة: يقال: قص فلان الحديث يقصه قصًا وقصصًا ، وأصله اتباع الأثر ، يقال: خرج فلان قصصًا ، وفي أثر فلان ، وقصًا ، وذلك إذا اقتص أثره ، ومنه قوله تعالى: { وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ } [ القصص: 11 ] وقيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبرًا بعد خبر ، وسوقه الكلام سوقًا ، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة .
ثم قال: { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } وهذا يفيد تأكيد النفي ، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد ، أفاد أنه ليس عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } مبالغة في أنه لا إله إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى .
ثم قال: { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى ، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزًا غالبًا لا يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم تقولون إن اليهود قتلوه؟ والثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فيكون إلها ، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية ، بل لا بد وأن يكون حكيمًا ، أي عالمًا بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر { العزيز الحكيم } ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } [ آل عمران: 6 ] .
ثم قال: { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } والمعنى: فإن تولوا عما وصفت من أن الله هو الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزًا غالبًا قادرًا على جميع المقدورات ، حكيمًا عالمًا بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزًا غالبًا ، وما كان حكيمًا عالمًا بالعواقب والنهايات . فاعلم أن توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين ، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة ، قادر على مجازاتهم .