في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه ، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك ، وأما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون ، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و { يُؤْمِنُونَ } خبره ، وأما قوله { والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكواة } ففيه أقوال: الأول: روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها .
واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله A فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني: وهو قول البصريين: أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، قالوا إذا قلت: مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه على تقدير أعني ، وإن شئت رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ، طعن الكسائي في هذا القول وقال: النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم الكلام ، لأن قوله { لكن الراسخون فِى العلم } منتظر للخبر ، والخبر هو قوله { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } .
والجواب: لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله { أولئك } لأنا بينا أن الخبر هو قوله { يُؤْمِنُونَ } وأيضًا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر؛ وما الدليل على امتناعه؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية .
والقول الثالث: وهو اختيار الكسائي ، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ( ما ) في قوله { بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } والمعنى: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على قوله { والمؤمنون } قوله { والمؤتون الزكواة } والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد أن ذكر أعدادًا منهم { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فعل الخيرات وإقام الصلاة } [ الأنبياء: 73 ] وقيل: المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون ، فقوله { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يعني يؤمنون بالكتب ، وقوله { والمقيمين الصلاة } يعني يؤمنون بالرسل . الرابع: جاء في مصحف عبدالله بن مسعود { والمقيمون الصلاة } بالواو ، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي .
المسألة الثانية: اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام: الأول: العلماء بأحكام الله تعالى فقط . والثاني: العلماء بذات الله وصفات الله فقط . والثالث: العلماء بأحكام الله وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه ، وأما الثاني: فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة ، وأما الثالث: فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء ، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي A بقوله: