فهرس الكتاب

الصفحة 1965 من 8321

اعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتبعناكم } [ آل عمران: 167 ] وصفهم الله تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم ، فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك ، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا لاخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا ، فخوفوا من مراده موافقة الرسول A في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل ، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في محل { الذين } وجوه: أحدها: النصب على البدل من { الذين نَافَقُواْ } [ آل عمران: 167 ] وثانيها: الرفع على البدل من الضمير في { يَكْتُمُونَ } [ آل عمران: 167 ] وثالثها: الرفع على خبر الابتداء بتقدير: هم الذين ، ورابعها: أن يكون نصبا على الذم .

المسألة الثانية: قال المفسرون: المراد ( بالذين قَالُواْ ) عبدالله بن أبي وأصحابه ، وقال الأصم: هذا لا يجوز لأن عبدالله بن أبي خرج مع النبي A في الجهاد يوم أحد ، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال: { الذين قَالُواْ لإخوانهم وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا } أي في القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد ، قاله لمن خرج الى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفًا لهم عن الجهاد .

المسألة الثالثة: قالوا لاخوانهم: أي قالوا لأجل إخوانهم ، وقد سبق بيان المراد من هذه الأخوة ، الأخوة في النسب ، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار ، أو في عداوة الرسول A أو في عبادة الأوثان؟ والله أعلم .

المسألة الرابعة: قال الواحدي: الواو في قوله: { وَقَعَدُواْ } للحال ومعنى هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا ، ثم أجاب الله عن ذلك بقوله: { قل فادرؤا عن أنفسكم الموت ان كنتم صادقين } .

فإن قيل: ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فان التحرز عن القتل ممكن ، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن ألبتة؟

والجواب: هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا بالقضاء والقدر ، وذلك لأنا إذا قلنا لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره ، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله ، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق ، فيصح الاستدلال . أما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه ، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهرًا من الوجه الذي ذكرتم ، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى ، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله . وقوله: { ان كنتم صادقين } يعني: إن كنتم صادقين في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره ، والوصول إلى المطالب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت