واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب: فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس ، وإما الاستهزاء . وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضًا باطل ، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة .
ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال: { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في التأويل وجهان: الأول: أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين .
واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضًا قولهم: { لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتبعناكم } يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي A وكل واحد منهما كفر .
الوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الايمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين .
المسألة الثانية: قال أكثر العلماء: إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار ، قال الحسن اذا قال الله تعالى: { أَقْرَبُ } فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله: { مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر ، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر . وقال الواحدي في «البسيط» : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لانه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله .
ثم قال تعالى: { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر .
ثم قال: { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } .
فان قيل: إن المعلوم اذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله: { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } .
قلنا: المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الاحوال ما لا يعلمه غيره .