فهرس الكتاب

الصفحة 1914 من 8321

اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه: الأول: أنه لما رجع رسول الله A وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد ، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثاني: قال بعضهم كان النبي A رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد ، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } يريد تصديق رؤيا الرسول A . الثالث: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ } [ آل عمران: 125 ] إلا أن هذا كان مشروطًا بشرط الصبر والتقوى . والرابع: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ } [ الحج: 40 ] إلا أن هذا أيضًا مشروط بشرط . والخامس: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: { سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } [ آل عمران: 151 ] والسادس: قيل: الوعد هو أن النبي A قال للرماة:"لا تبرحوا من هذا المكان ، فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان"السابع: قال أبو مسلم: لما وعدهم الله في الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد ، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم ، وفى الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة ، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط .

إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي C: الصدق يتعدى إلى مفعولين ، تقول: صدقته الوعد والوعيد .

المسألة الثانية: قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي A جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا ، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، والمسلمون على آثارهم يحسونهم ، قال الليث: الحس: القتل الذريع ، تحسونهم: أي تقتلونهم قتلا كثيرا ، قال أبو عبيد ، والزجاج ، وابن قتيبة: الحس: الاستئصال بالقتل ، يقال: جراد محسوس . إذا قتله البرد . وسنة حسوس: إذا أتت على كل شيء ، ومعنى «تحسونهم» أي تستأصلونهم قتلا ، قال أصحاب الاشتقاق: «حسه» إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ، كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه ، إذا أصاب رأسه ، وقوله: { بِإِذْنِهِ } أي بعلمه ، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم ، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت