فهرس الكتاب

الصفحة 1915 من 8321

أما قوله تعالى: { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِى الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدَمَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول ظاهر قوله: { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } بمنزلة الشرط ، ولا بد له من الجواب فأين جوابه؟

واعلم أن للعلماء ههنا طريقين: الأول: أن هذا ليس بشرط ، بل المعنى ، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر ، وعلى هذا القول تكون كلمة «حتى» غاية بمعنى «إلى» فيكون معنى قوله: { حتى إِذَا } إلى أن ، أو إلى حين .

الطريق الثاني: أن يساعد على أن قوله: { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } شرط ، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: وهو قول البصريين أن جوابه محذوف ، والتقدير: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى: { فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الأرض أَوْ سُلَمًَا في السماء فتأتيهم بِآية } [ الأنعام: 35 ] والتقدير: فافعل ، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه ، وقال: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل } [ الزمر: 9 ] والتقدير: أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك؟

الوجه الثاني: وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء: أن جوابه هو قوله: { وَعَصَيْتُمْ } والواو زائدة كما قال: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وناديناه } [ الصافات: 103 104 ] والمعنى ناديناه ، كذا ههنا ، الفشل والتنازع صار موجبًا للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، فالواو زائدة ، وبعض من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب «حتى إذا» بدليل قوله تعالى: { حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } [ الزمر: 71 ] والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها .

فان قيل: إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد .

قلنا: المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه .

واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة .

الوجه الثالث في الجواب: أن يقال تقدير الآية: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة .

فالجواب: هو قوله: صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة } يفيد فائدته ويؤدي معناه ، لأن كلمة «من» للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت