فهرس الكتاب

الصفحة 1916 من 8321

الوجه الرابع: قال أبو مسلم: جواب قوله: { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } هو قوله: { صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة «ثم» ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد . والله أعلم .

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة: أولها: الفشل وهو الضعف ، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى: { وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ } [ الأنفال: 46 ] أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا . ثانيها: التنازع في الأمر وفيه بحثان .

البحث الأول: المراد من التنازع انه E أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة ، وجعل أميرهم عبدالله بن جبير؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون ، ثم ان الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن ، فقالوا الغنيمة الغنيمة ، فقال عبدالله: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا الى طلب الغنيمة ، وبقي عبدالله مع طائفة قليلة دون العشرة الى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع .

البحث الثاني: قوله: { فِى الأمر } فيه وجهان: الأول: أن الأمر ههنا بمعنى الشأن والقصة ، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن . والثاني: أنه الأمر الذي يضاده النهي . والمعنى: وتنازعتم فيما أمركم الرسول به من ملازمة ذلك المكان . وثالثها: وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، والمراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان . بقي في هذه الآية سؤالات: الأول: لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية؟

والجواب: ان القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة ، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا: هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة .

السؤال الثاني: لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام؟

والجواب: هذا اللفظ وان كان عامًا إلا أنه جاء المخصص بعده ، وهو قوله: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة } .

السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: { مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } .

والجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال أمرهم .

ثم قال تعالى: { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } وقد اختلف قول أصحابنا وقول المعتزلة في تفسير هذه الآية ، وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية ، فكيف أضافه الى نفسه؟ أما أصحابنا فهذا الاشكال غير وارد عليهم ، لأن مذهبهم أن الخير والشر بارادة الله وتخليقه ، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار ، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم ، وهذا قول جمهور المفسرين . قالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل ، أما القرآن فهو قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت