عقيب دعائه وفيه مسائل:
المسألة الأولى: المراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها أو هو مجاز؟ نقول فيه قولان أحدهما: حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه وثانيهما: هو على طريق الاستعارة ، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب ، وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفتح أفواه القرب أي كأنه ذلك ، فالمطر في الطوفان كان بحيث يقول القائل فتحت أبواب السماء ، ولا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { فَفَتَحْنَا } بيان أن الله انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ، كما قال تعالى: { وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السماء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } [ ياس: 28 ، 29 ] بيانًا لكمال القدرة ، ومن العجيب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم بمطلوبهم .
المسألة الثالثة: الباء في قوله: { بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } ما وجهه وكيف موقعه؟ نقول فيه وجهان أحدهما: كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول: يفتح الله لك بخير أي يقدر خيرًا يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدمًا في الوجود ، ويقول كأن مقصودك جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل: لعل الله يفتح برزق ، أي يقدر رزقًا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون الله قد فتحه بالرزق ثانيهما: { فَتَحْنَا أبواب السماء } مقرونة { بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } والانهمار الانسكاب والانصباب صبًا شديدًا ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج مرسل خارج من باب .