فهرس الكتاب

الصفحة 3324 من 8321

اعلم أن في نظم الآية وجهين: الأول: أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه بالكلام في المعاد ، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة . الثاني: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } [ الأعراف: 185 ] باعثًا بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق ، فيصير ذلك حاملًا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من هو؟ قال ابن عباس: إن قومًا من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن وقتادة: إن قريشًا قالوا: يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة؟

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق .

المسألة الثالثة: أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء ، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان: المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال: { أَيَّانَ } سؤال عن الزمان ، وأين سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما مأخوذًا من الآخر . والثاني: وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه ، لأن معناه أي وقت ولفظة أي ، فعل من أويت إليه ، لأن البعض آو إلى مكان الكل متساندًا إليه هكذا . قال ابن جني: وقرأ السلمي ( إيان ) بكسر الهمز .

المسألة الرابعة: مرساها «المرسي» ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى: { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [ هود: 41 ] أي إجراؤها وإرساؤها ، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا؛ إذا ثبت . قال تعالى: { والجبال أرساها } [ النازعات: 32 ] فكان الرسو ليس اسمًا لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلًا ومنه إرساء الجبل ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة ، بدليل قوله: { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء .

ثم قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه: { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان: 34 ] وقوله: { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا } [ الحج: 7 ] وقوله: { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } [ طه: 15 ] ولما سأل جبريل رسول الله A وقال: متى الساعة فقال عليه السلام:"ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت