فهرس الكتاب

الصفحة 3325 من 8321

قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ، وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال: { لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا } التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره ، والمعنى: لا يظهرها في وقتها المعين { إِلاَّ هُوَ } أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو .

ثم قال تعالى: { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى: { وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا } [ الإنسان: 27 ] وأيضًا وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال: { إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ } [ الحج: 1 ] ووصف عذابها بالشدة فقال: { وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } [ الحج: 2 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في تفسير قوله: { ثَقُلَتْ فِى السموات والارض } وجوه: قال الحسن: ثقل مجيئها على السموات والأرض ، لأجل أن عند مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال أبو بكر الأصم: إن هذا اليوم ثقيل جدًا على أهل السماء والأرض ، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم: إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد . وقال السدي: { ثَقُلَتْ } أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها . وقال قوم: { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض ، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله ، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم .

ثم قال: { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } وهذا أيضًا تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق . وعن النبي A أنه قال: « إن الساعة تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه » وروى الحسن عن النبي A أنه قال: « والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك »

ثم قال تعالى: { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: في الحفي وجوه: الأول: الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي: يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفيًا ، والحفي الكلام واللقاء الحسن ، ومنه قوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا } أي بارًا لطيفًا يجيب دعائي إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشًا قالت لمحمد عليه السلام: إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة . فقال تعالى: { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفيًا بهم ما داموا على كفرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت