فهرس الكتاب

الصفحة 4983 من 8321

اعلم أن على أول هذه الآية سؤالًا وهو أن قوله: { اهبطا } ، إما أن يكون خطابًا مع شخصين أو أكثر فإن كان خطابًا لشخصين فكيف قال بعده: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } وهو خطاب الجمع وإن كان خطابًا لأكثر من شخصين فكيف قال: { اهبطا } وذكروا في جوابه وجوهًا: أحدها: قال أبو مسلم: الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله: { اهبطا } ولأجل اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم } قال صاحب «الكشاف» : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين منهما تفرعوا جعلا كأنهما البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم } على لفظ الجماعة ، أما قوله: { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فقال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام ، وقوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ } فيه دلالة على أن المراد الذرية ، وقد اختلفوا في المراد بالهدى ، فقال بعضهم: الرسل وبعضهم قال: الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن ، والتحقيق أن الهدى عبارة عن الدلالة فيدخل فيه كل ذلك ، وفي قوله: { فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى } دلالة على أن المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة ، واتباعها لا يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها ، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى له أن لا يضل ولا يشقى ، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . وثانيها: لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه إلى الجنة ويمكنه فيها . وثالثها: لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا ، قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس ، ولما وعد الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض ، فقال: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي } والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ويحتمل أن يراد به الأدلة ، وقوله: { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا } فالضنك أصله الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به فيقال: منزل ضنك ، وعيش ضنك ، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك ، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره . أما الأول: فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا عيشًا طيبًا كما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت