وههنا بحث لا بد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى لكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصيًا غاويًا ، ويدل على صحة قولنا أمور: أحدها: قال العتبي: يقال لرجل قطع ثوبًا وخاطه قد قطعه وخاطه ، ولا يقال: خائط ولا خياط حتى يكون معاودًا لذلك الفعل معروفًا به ، ومعلوم أن هذه الزلة لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الاسم عليه . وثانيها: أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة ، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة ، إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافرًا ، بل وبتقدير أن يقال: هذه الواقعة وقعت بعد النبوة لم يجز أيضًا أن يقال ذلك لأنه عليه السلام تاب عنها ، كما أن الرجل المسلم إذا شرب الخمر أو زنى ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زانٍ فكذا ههنا . وثالثها: أن قولنا: عاص وغاو يوهم كونه عاصيًا في أكثر الأشياء وغاويًا عن معرفة الله تعالى ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عصى فيها فكأنه قال: عصى في كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم الباطل الذي ذكرناه . ورابعها: أنه يجوز من الله تعالى ما لا يجوز من غيره ، كما يجوز للسيد في عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغير السيد في عبده وولده ، أما قوله: { ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى } فالمعنى ثم اصطفاه فتاب عليه أي عاد عليه بالعفو والمغفرة وهداه رشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار وقبل الله منه ذلك ، روي عن النبي A أنه قال:"لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، وإنما سمي نوحًا لنوحه على نفسه ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر"وقال وهب: إنه لما كثر بكاؤه أوحى الله تعالى إليه وأمره بأن يقول: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين » فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءًا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين » ثم قال قل: « لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءًا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم » قال ابن عباس Bهما: هذه الكلمات هي التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه .