فهرس الكتاب

الصفحة 7914 من 8321

اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم ، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة ، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين الأول: أن المراد من قوله: { إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ } أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصى بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم الثاني: جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله A .

المسألة الثانية: أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة فأولها: قوله: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون بهم وبدينهم وثانيها: قوله: { وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } أي يتفاعلون من الغمز ، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضًا بمعنى العيب وغمزه إذا عابه ، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به ، والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم ، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه وثالثها: قوله تعالى: { وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ } معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا ، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء ، قرأ عاصم في رواية حفص عنه: { فَكِهِينَ } بغير ألف في هذا الموضع وحده ، وفي سائر القرآن { فاكهين } بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف ، فقيل: هما لغتان ، وقيل: فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين ورابعها: قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ } أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا ، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار .

ثم قال تعالى: { وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حافظين } يعني أن الله تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين ، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل ، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالًا ، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم .

أما قوله تعالى: { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: المعنى أن في هذا اليوم الذي هو يوم تصقع الأعمال والمحاسبة يضحك المؤمن من الكافر ، وفي سبب هذا الضحك وجوه أحدها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس ، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب والبلاء ، ولأنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء ، وأنهم قد باعوا باقيًا بفان ويرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد ، ودخلوا الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون في النار وكيف يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضًا الثاني: قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها ، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج ، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك ، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم ، فذاك هو سبب الضحك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت