فهرس الكتاب

الصفحة 7913 من 8321

واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه ، وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم ، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء .

الصفة الرابعة: قوله تعالى: { وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: تسنيم علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه ، إما لأنها أرفع شراب في الجنة ، وإما لأنها تأتيهم من فوق ، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم ، وإما لأنها لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر به وهو تسنيمه ، أو لأنه عند الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض ، فهو التسنيم أيضًا ، وذلك لأن أصل هذه الكلمة للعلو والارتفاع ، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته ، وأما قول المفسرين: فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسنيم ، فقال هذا مما يقول الله: { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } [ السجدة: 17 ] ويقرب منه ما قال الحسن: وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال الواحدي: وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة ، وعن عكرمة: { مِن تَسْنِيمٍ } من تشريف:

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أن تسنيم عين يشرب بها المقربون ، قال ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم ، لأنه يشربه المقربون صرفًا ، ويمزج لأصحاب اليمين .

واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام: المقربون ، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون؛ علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين ، وأقول: هذا يدل على أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة ، فتسنيم أفضل أنها الجنة ، والمقربون أفضل أهل الجنة ، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه الله الكريم ، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات ، فالمقربون لا يشربون إلا من التسنيم ، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم ، وأصحاب اليمين يكون شرابهم ممزوجًا ، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته .

المسألة الثانية: عينا نصب على المدح وقال الزجاج: نصب على الحال ، وقوله: { يَشْرَبُ بِهَا المقربون } كقوله: { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } [ الإنسان: 6 ] وقد مر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت