فهرس الكتاب

الصفحة 5633 من 8321

نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده ، وكافر مجاهر بكفره وعناده ، ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده ، والله تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى: { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } [ العنكبوت: 3 ] وبين أحوالهما بقوله: { أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات } [ العنكبوت: 4 ] إلى قوله: { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العنكبوت: 7 ] بين القسم الثالث وقال: { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال: { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا } ولم يقل آمنت مع أنه وحد الأفعال التي بعده كقوله تعالى: { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله } وقوله: { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس } وذلك لأن المنافق كان يشبه نفسه بالمؤمن ، ويقول إيماني كإيمانك فقال: { آمنا } يعني أنا والمؤمن حقًا آمنا ، إشعارًا بأن إيمانه كإيمانه ، وهذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال في القتال ، وهزموا خصومهم يقول الجبان خرجنا وقاتلناهم وهزمناهم ، فيصح من السامع لكلامه أن يقول وماذا كنت أنت فيهم حتى تقول خرجنا وقاتلنا؟ وهذا الرد يدل على أنه يفهم من كلامه أن خروجه وقتاله كخروجهم وقتالهم ، لأنه لا يصح الإنكار عليه في دعوى نفس الخروج والقتال ، وكذا قول القائل أنا والملك ألفينا فلانًا واستقبلناه ينكر ، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا إظهار كون إيمانهم كإيمان المحقين كان الواحد يقول: { آمنا } أي أنا والمحق .

المسألة الثانية: قوله: { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله } هو في معنى قوله: { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } [ آل عمران: 195 ] غير أن المراد بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين والمراد ههنا الذين لم يصبروا عليها فقال هناك: { وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى } [ آل عمران: 195 ] وقال ههنا: { أُوذِىَ فِى الله } ولم يقل في سبيل الله واللطيفة فيه أن الله أراد بيان شرف المؤمن الصابر وخسة المنافق الكافر فقال هناك أوذي المؤمن في سبيل الله ليترك سبيله ولم يتركه ، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه ، وكان يمكنه أن يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حد الإكراه ، ويكون قلبه مطمئنًا بالإيمان فلا يترك الله ، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية ، والمؤمن أوذي ولم يترك سبيل الله بل أظهر كلمتي الشهادة وصبر على الطاعة والعبادة .

المسألة الثالثة: قوله: { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } قال الزمخشري: جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف عن الكفر ، وقيل جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله ، وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى ترددوا في الأمر ، وقالوا إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس وإن تركنا الإيمان نتعرض لما توعدنا به محمد E ، واختاروا الاحتراز عن التأذي العاجل ولا يكون التردد إلا عند التساوي ومن أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون شديدًا ، ولا يكون مديدًا لأن العذاب إن كان شديدًا كعذاب النار وغيره يموت الإنسان في الحال فلا يدوم التعذيب ، وإن كان مديدًا كالحبس والحصر لا يكون شديدًا وعذاب الله شديد وزمانه مديد ، وأيضًا عذاب الناس له دافع وعذاب الله ماله من دافع ، وأيضًا عذاب الناس عليه ثواب عظيم ، وعذاب الله بعده عذاب أليم ، والمشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب ولا تعد عذابًا كما تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذابًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت