فهرس الكتاب

الصفحة 7140 من 8321

وفي نصبه وجهان أحدهما: أنه مفعول له وهو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم ، وعلى هذا فيه لطيفة: وهي أن نقول: المعنى أن هذا كله جزاء عملكم وأما الزيادة فلا يدركها أحد منكم وثانيهما: أنه مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله الله فهو جزاء فكأنه قال: تجزون جزاء ، وقوله: { بِمَا كَانُوا } قد ذكرنا فائدته في سورة الطور وهي أنه تعالى قال في حق المؤمنين: { جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الواقعة: 24 ] وفي حق الكافرين: { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ التحريم: 7 ] إشارة إلى أن العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم ، والثواب: { جَزَاء مّمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ السجدة: 17 ] فلا يعطيهم الله عين عملهم ، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم ، والكافر يعطيه عين ما فعل ، فيكون فيه معنى قوله تعالى: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِي إِلاَّ مِثْلَهَا } [ الأنعام: 160 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أصولية ذكرها الإمام فخر الدين C في مواضع كثيرة ، ونحن نذكر بعضها فالأولى: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال: الثواب على الله واجب ، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به ، وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين C بأجوبة كثيرة ، وأظن به أنه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه . ولو صح لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة ، وذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح من الله لا يوجد علم أن الله يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية ، وإيصال الجزاء واجب ، وأما إذا قلنا: بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة ، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم ، لا يقال: الجزاء كان واجبًا على الله وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشرًا ، لأنا نقول: إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا الله تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلًا منه ، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله: هذا جزاؤكم ، أي جعلته لكم جزاء ، ولم يكن متعينًا ولا واجبًا ، كما أن الكريم إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئًا كثيرًا ، فيظن أنه يودعه إيداعًا أو يأمره بحمله إلى موضع ، فيقول له: هذا لك فيفرح ، ثم إنه يقول: هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة ، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به ، ولا أطلب منك على هذا خدمة ، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد ، فيكون هذا غاية الفضل ، وعند هذا نقول: هذا كله إذا كان الآتي غير العبد ، وأما إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيده لا يستحق عليه أجرًا ، ولا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال ، فما ظنك بحالنا مع الله D ، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية ، والله تعالى يملك منا أنفسنا وأجسامنا ، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق ، واعترفوا أنهم عبيد لا يملكون شيئًا ولا يجب للعبد على السيد دين ، والمعتزلة لم يحققوا العبودية ، وجعلوا بينهم وبين الله معاملة توجب مطالبة ، ونرجوا أن يحقق الله تعالى معنا المالكية غاية التحقيق ، ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر أعمالنا ، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته ، ويطهر صومه بزكاة فطره ، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه ، بل يختار فداءه ويخلص رقبته من الجناية ، كذلك يدفع الله حاجاتنا في الآخرة ، وأهم الحاجات أن يرحمنا ويعفو عنا ، ويتغمدنا بالمغفرة والرضوان ، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا ، وأرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير والقطمير ، والمطالبة بما يفضل لأحدهما من القليل والكثير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت