فهرس الكتاب

الصفحة 3327 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن قوله: { لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا } أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير ، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس: { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ الله لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } [ يونس: 48 ، 49 ] الثاني: روي أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة . فأنزل الله تعالى هذه الآية: الثالث: قال بعضهم: لما رجع E من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، فأخبر النبي A بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين . وقال « انظروا أين ناقتي » ، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته . فقال E: « إن ناسًا من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة » فوجدها على ما قال ، فأنزل الله تعالى: { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًَّا إِلاَّ مَا شَاءَ الله } .

المسألة الثانية: اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل ، وبين أن كل من كان عبدًا كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ، وهذا العلم؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى: { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ الله } والإيمان نفع والكفر ضر ، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه ، وتقريره ما ذكرناه مرارًا أن القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدًا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ، فخالق تلك القدرة يكون مريدًا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلًا عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريدًا للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير: لا يملك العبد لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله .

أجاب القاضي عنه بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله: { قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء الله } وإن كان عامًا بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا: يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو ، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله ، والمراد بالنفع: تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضر وقت القحط ، والأمراض وغيرها . الثاني: المراد لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله: { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } الثالث: المراد: لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت