فهرس الكتاب

الصفحة 3328 من 8321

واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: احتج الرسول A على عدم علمه بالغيب بقوله: { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } واختلفوا في المراد من هذا الخير . فقيل المراد منه: جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب . وقيل: المراد منه ما يتصل بأمر الدين ، يعني: لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك . وقيل: المراد منه: ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير .

والجواب: عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره .

أما قوله: { وَمَا مَسَّنِىَ السوء } ففيه قولان:

القول الأول: قال الواحدي C: تم الكلام عند قوله: { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير } ثم قال: { وَمَا مَسَّنِىَ السوء } أي ليس بي جنون ، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: { مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } وهذا القول عندي بعيد جدًا ويوجب تفكك نظم الآية .

والقول الثاني: إنه تمام الكلام الأول ، والتقدير: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير ، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء . ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي ، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه ، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال: { إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات ، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله: { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيه قولان: أحدهما: أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما ، يفيد ذكر الأخرى كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] والثاني: أنه E وإن كان نذيرًا وبشيرًا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون . فلهذا السبب خصهم الله بالذكر ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت