فهرس الكتاب

الصفحة 2563 من 8321

ثم قال تعالى: { سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من: سحته ، ونقل صاحب «الكشاف» السحت بفتحتين ، والسحت بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات .

المسألة الثانية: ذكروا في لفظ السحت وجوهًا قال الزجاج: أصله من سحته إذا استأصله ، قال تعالى: { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } [ طه: 61 ] وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى: { يَمْحَقُ الله الرباا } [ البقرة: 276 ] الثاني: قال الليث: إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث: قال الفرّاء: أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولًا لا يلقى إلا جائعًا أبدًا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، وهذا أيضًا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه .

إذا عرفت هذا فنقول: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية: روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك ، فكان سحتًا لا محالة .

المسألة الثالثة: في قوله { سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ } وجوه: الأول: قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلًا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني: قال بعضهم: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالًا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم . الثالث: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ، أكالون للربا لقوله تعالى: { وَأَخْذِهِمُ الربا } [ النساء: 161 ] .

ثم قال تعالى: { فإن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } ثم إنه تعالى خيّره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين: الأول: أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم . الثاني: أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي A فجعل الدية سواء . الثالث: أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت