فهرس الكتاب

الصفحة 2562 من 8321

{ فاتبعوه } [ الأعراف: 58 ] والثاني: أن ما كان ثابتًا في شرع موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيًا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس } [ المائدة: 45 ] حكمه باق في شرعنا .

ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال: { وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئًا } .

واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد ، إلا أنه لما كان هذا اللفظ مذكورًا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد: ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه .

ثم أكد تعالى هذا فقال: { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } .

قال أصحابنا: دلّت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوهًا: أحدها: أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى: { عَلَى النار يُفْتَنُونَ } [ الذاريات: 13 ] أي يعذبون ، فالمراد ههنا: أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، وثانيها: الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث: فتنته: إضلاله ، والمراد من الاضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالًا ، ورابعها: الفتنة الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابًا ولا نفعًا .

وأما قوله { أُوْلَئِكَ الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } فذكروا فيه وجوهًا: أحدها: لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، وثالثها: أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارًا .

ثم قال تعالى: { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول A على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم .

{ وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو الخلود في النار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت