فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء ، وفي الآية قولان أحدهما: أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ومجانبة المعصية والثاني: قد أفلح من زكاها الله ، وقبل القاضي هذا التأويل ، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك ، كما يقال في العرف: إن فلانًا يزكي فلانًا ، ثم قال: والأول أقرب ، لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهرًا ، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم المذكور لا أنه مذكور .
واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد ، بألهمها ما ذكرناه فوجب حمل اللفظ عليه . وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف ، لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به يمتنع تغيره ، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . أما قوله ذكر النفس قد تقدم ، قلنا: هذا بالعكس أولى ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد ، وقوله: { فَأَلْهَمَهَا } أقرب إلى قوله: { مَا } منه إلى قوله: { وَنَفْسٍ } فكان الترجيح لما ذكرناه ، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه السلام كان إذا قرأ: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } وقف وقال: « اللهم آت نفسي تقواها ، أنت وليها وأنت مولاها ، وزكها أنت خير من زكاها » أما قوله تعالى: