فهرس الكتاب

الصفحة 4959 من 8321

اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من وجوه . أحدها: أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم يأمره ، فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه ، فإن اتبعه كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنبًا لأن ملامة غير المجرم معصية . وإن لم يتبعه كان هارون تاركًا للواجب فكان فاعلًا للمعصية ، وأما إن قلنا: إن موسى عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون . وثانيها: قول موسى عليه السلام: { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } استفهام على سبيل الإنكار فوجب أن يكون هارون قد عصاه ، وأن يكون ذلك العصيان منكرًا ، وإلا لكان موسى عليه السلام كاذبًا وهو معصية ، فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية . وثالثها: قوله: { يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } وهذا معصية لأن هارون عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر ، فإن كان موسى عليه السلام قد بحث عن الواقعة ، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضًا معصية . ورابعها: إن هارون عليه السلام قال: { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزًا كان قول هارون لا تأخذ منعًا له عما كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية ، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزًا كان موسى عليه السلام فاعلًا للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب . والجواب عن الكل: أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } [ البقرة: 36 ] أنواعًا من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور المعصية من الأنبياء ، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز ، إذا ثبتت هذه المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوهًا . أحدها: أنا وإن اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى عليهم ، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما موسى وهارون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى فلذلك فعَله أحدهما وتركه الآخر ، فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد منهما كان جازمًا فيما يأتي به فعلًا كان أو تركًا وفعل المندوب وتركه لا يجزم به ، قلنا: تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع ، فنحن نحمل ذلك الجزم في الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح ، وقد يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلومًا متقررًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت