"أدرك المرأة"فناداها فجاءت فأخذت ولدها وجعلت تبكي والصبي في حجرها فالتفتت فرأت النبي A فاستحيت فقال عليه السلام عند ذلك:"أترون هذه رحيمة بولدها؟"قالوا: يا رسول الله كفى بهذه رحمة فقال"والذي نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها"ويروى: « أنه بينا رسول الله A جالس ومعه أصحابه إذ نظر إلى شاب على باب المسجد فقال:"من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا"فسمع الشاب ذلك فولى ، فقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد علي بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه صادق ، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد A وتشعل النار بي حتى تبر يمينه ولا تشعل النار بأحد آخر ، فهبط جبريل عليه السلام وقال: «يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقذته من النار بتصديقه لك وفدائه أمتك بنفسه وشفقته على الخلق » . إذا ثبت ذلك فاعلم أن الأمر بالمعروف والشفقة على المسلمين واجب . ثم إن هارون عليه السلام رأى القوم متهافتين على النار ولم يبال بكثرتهم ولا بقوتهم بل صرح بالحق فقال: { ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } الآية وههنا دقيقة وهي أن الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام لعلي:"أنت مني بمنزلة هرون من موسى"ثم إن هرون ما منعته التقية في مثل هذا الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره ، فلو كانت أمة محمد A على الخطأ لكان يجب على علي عليه السلام أن يفعل ما فعله هارون عليه السلام وأن يصعد على المنبر من غير تقية وخوف وأن يقول: { فاتبعونى وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } فلما لم يفعل ذلك علمنا أن الأمة كانوا على الصواب ، واعلم أن هرون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن الباطل أولًا بقوله: { إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى ثانيًا بقوله: { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } ثم دعاها ثالثًا إلى معرفة النبوة بقوله: { فاتبعونى } ثم دعاهم إلى الشرائع رابعًا بقوله: { وَأَطِيعُواْ أَمْرِى } وهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات ثم معرفة الله تعالى هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة ، فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه ، وإنما قال: { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } فخص هذا الموضع باسم الرحمن لأنه كان ينبئهم بأنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو الرحمن الرحيم ، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون ثم إنهم لجهلهم قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد والجحود فقالوا: { لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عاكفين حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى } كأنهم قالوا: لا نقبل حجتك ولكن نقبل قول موسى وعادة المقلد ليس إلا ذاك .