فهرس الكتاب

الصفحة 5177 من 8321

القصة الأولى قصة نوح عليه السلام

قال قوم: إن نوحًا كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحًا لوجوه: أحدها: لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم على ذلك وثانيها: لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها: أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له إخسًا يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له: أعبتني إذ خلقته ، أم عبت الكلب . وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى .

أما قوله: { اعبدوا الله } فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة الله تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته أولًا ، لأن عبادة من لا يكون معلومًا غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة .

أما قوله: { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز إذ لا إله سواه . ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع؟ وقرىء غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله: { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه . ثم إنه سبحانه حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام .

الشبهة الأولى: قولهم: { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } وهذه الشبهة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال إنه لما كان مساويًا لسائر الناس في القوة والفهم والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولًا لله ، لأن الرسول لا بد وأن يكون عظيمًا عند الله تعالى وحبيبًا له ، والحبيب لا بد وأن يختص عن غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة ، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء الرسالة والثاني: أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور ، ولكنه أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلًا إلا بادعاء النبوة ، فصار ذلك شبهة لهم في القدح في نبوته ، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبرًا عنهم { يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى: { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِى الأرض } [ يونس: 78 ] .

الشبهة الثانية: قولهم: { وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } وشرحه أن الله تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى المقصود ، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة البشر ، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ، فالخلق ينقادون إليهم ، ولا يشكون في رسالتهم ، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أرسل رسولًا ألبتة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت