اعلم أن هذا أيضًا من بقية وعيد المشركين ، وفي الشركاء قولان:
القول الأول: أنه تعالى يبعث الأصنام التي كان يعبدها المشركون ، والمقصود من إعادتها أن المشركين يشاهدونها في غاية الذلة والحقارة . وأيضًا أنها تكذب المشركين ، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم ، وإنما وصفهم الله بكونهم شركاء لوجهين: الأول: أن الكفار كانوا يسمونها بأنها شركاء الله . والثاني: أن الكفار جعلوا لهم نصيبًا من أموالهم .
والقول الثاني: أن المراد بالشركاء الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر ، وهو قول الحسن ، وإنما ذهب إلى هذا القول ، لأنه تعالى حكى عن أولئك الشركاء أنهم ألقوا إلى الذين أشركوا إنهم لكاذبون ، والأصنام جمادات فلا يصح منهم هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من الشركاء الشياطين حتى يصح منهم هذا القول وهذا بعيد ، لأنه تعالى قادر على خلق الحياة في تلك الأصنام وعلى خلق العقل والنطق فيها ، وحينئذ يصح منها هذا القول ، ثم حكى تعالى عن المشركين أنهم إذا رأوا تلك الشركاء قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك .
فإن قيل: فما فائدتهم في هذا القول؟
قلنا: فيه وجهان: الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: مقصود المشركين إحالة الذنب على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ينقص من عذابهم ، فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام . قال القاضي: هذا بعيد ، لأن الكفار يعلمون علمًا ضروريًا في الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ولا فدية ولا شفاعة .
والقول الثاني: أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجبًا من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافًا بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها . ثم حكى تعالى أن الأصنام يكذبونهم ، فقال: { فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } والمعنى: أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول ، وقوله: { إِنَّكُمْ لكاذبون } بدل من القول ، والتقدير: فألقوا إليهم إنكم لكاذبون .
فإن قيل: إن المشركين ما قالوا إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا: إن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك ، فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون؟ .
قلنا: فيه وجوه: والأصح أن يقال المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن هؤلاء الذين كنا نقول إنهم شركاء الله في المعبودية ، فالأصنام كذبوهم في إثبات هذه الشركة . وقيل: المراد إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى: { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } [ مريم: 82 ] .
ثم قال تعالى: { وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } قال الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } وفيه وجهان: وقيل: ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان من أن لله شريكًا وصاحبة وولدًا . وقيل: بطل ما كانوا يأملون من أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى .