فهرس الكتاب

الصفحة 8130 من 8321

قوله تعالى: { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح ، ونظر البشر على الأشباح ، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلًا للصفات الذميمة من الشهوة والغضب ما قبلوك . فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء ، وأبواك لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت منيًا وعلقة ما قبلوك أيضًا ، بل أظهروا النفرة ، واستقذروا ذلك المني والعلقة ، وغسلوا ثيابهم عنه ، ثم كم احتالوا للإسقاط والإبطال ، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك ، فكذا الملائكة لما رأوا في روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما قالوه أولًا ، فهذا هو المراد من قوله: { تَنَزَّلُ الملائكة } فإذا نزلوا إليك رأوا روحك في ظلمة ليل البدن ، وظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما تقدم: ويستغفرون للذين آمنوا .

المسألة الثانية: أن قوله تعالى: { تَنَزَّلُ الملائكة } يقتضي ظاهره نزول كل الملائكة ، ثم الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض ، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم: إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا ، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السماء مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك ، فكيف تسع الجميع سماء واحدة؟ قلنا: يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد ، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجًا فوجًا فمن نازل وصاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج ، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ: { تُنَزَّلَ } الذي يفيد المرة بعد المرة .

والقول الثاني: وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه ، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة ، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين ، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى ، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض ، ثم اختلف من قال: ينزلون إلى الأرض على وجوه: أحدها: قال بعضهم: ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة وثانيها: أن الملائكة قالوا: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } [ مريم: 64 ] فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة .

وأما هذه الآية وهو قوله: { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولًا فأذنوا ، وذلك يدل على غاية المحبة ، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا . لكن كانوا ينتظرون الإذن ، فإن قيل قوله: { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون } [ الصافات: 165 ] ينافي قوله: { تَنَزَّلُ الملائكة } قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين وثالثها: أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت