{ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [ الأنفال: 33 ] ثم إنهم كانوا يعبدون ، فلهذا السبب كانت عبادتهم أكثر ثوابًا ، وأما التهديد فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة بالدخول في النار ، وأن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب المستحق بتطفيف حبة واحدة ، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب والمعصية .
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: صح عن رسول الله A أنه قال: « أجرك على قدر نصبك » ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة ، فكيف يعقل استواؤهما؟ والجواب: من وجوه: أحدها: أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة إليه ، ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بكذا درجة ، مع أن الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة ، وأيضًا فأنت تقول لمن يرجم: إنه إنما يرجم إنه زان فهو قول حسن ، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزيز ، ولو قلته للمحصن فهو يوجب الحد ، فقد اختلفت الأحكام في هذه المواضع ، مع أن الصورة واحدة في الكل ، بل لو قلته في حق عائشة كان كفرًا ، ولذلك قال: { وَتَحْسَبُونَهُ هَيّنًا وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ } وذلك لأن هذا طعن في حق عائشة التي كانت رحلة في العلم ، لقوله عليه السلام: « خذوا ثلثي دينكم من هذه الحميراء » وطعن في صفوان مع أنه كان رجلًا بدريًا ، وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم المؤمنين ، وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كان كافرًا ، بل طعن في النبي الذي كان أشد خلق الله غيره ، بل طعن في حكمة الله إذ لا يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية ، ثم القائل بقوله: هذا زان ، فقد ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال ، فقد ثبت بهذا أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب والعقاب لاختلاف وجوهها ، فلا يبعد أن تكون الطاعة القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة والوجه الثاني: في الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات فتارة يجعل ثمن الطاعة ضعفين ، فقال: { فإِنَّ مَعَ العسر يُسْرًا إِنَّ مَعَ العسر يُسْرًا } [ الشرح: 5 ، 6 ] ومرة عشرًا ، ومرة سبعمائة ، وتارة بحسب الأزمنة ، وتارة بحسب الأمكنة ، والمقصود الأصلي من الكل جر المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا ، فتارة يرجح البيت وزمزم على سائر البلاد ، وتارة يفضل رمضان على سائر الشهور ، وتارة يفضل الجمعة على سائر الأيام ، وتارة يفضل ليلة القدر على سائر الليالي ، والمقصود ما ذكرناه الوجه الثاني: من فضائل هذه الليلة .