فهرس الكتاب

الصفحة 2283 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال: { فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله } وللمفسرين في قوله: { يَشْرُونَ الحياة الدنيا } وجهان: الأول: أن { يَشْرُونَ } معناه يبيعون قال ابن مفرغ

وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه

قال: وبرد هو غلامه ، وشريته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان معنى الآية: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، وهو كقوله: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم } إلى قوله: { فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } [ التوبة: 111 ] .

والقول الثاني: معنى قوله: { يَشْرُونَ } أي يشرتون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام: فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره: آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى: أحدها: أن الانسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها: أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان القتال ، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا ، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة ، فكأنه قيل له: اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي . وثالثها: كأنه قيل: الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا ، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا ، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال ، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده .

ثم قال تعالى: { وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم ، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين ، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد . وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين ، إما أن يقتله العدو ، وإما أن يغلب العدو ويقهره ، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة ، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار ، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: { فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت