المسألة الثانية: قال الزجاج: «من» في قوله: { لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن .
ثم قال تعالى: { فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش . يعني لم أكن معهم شهيدًا حاضرًا حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة { وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله } من ظفر وغنيمة ليقولن: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { كَأَن لَّمْ تَكُنْ } بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة ، والباقون بالياء لتقدم الفعل . قال الواحدي: وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل . قال: { قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } [ يونس: 57 ] وقال في آية أخرى: { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } [ البقرة: 275 ] فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي ، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل .
المسألة الثانية: قرأ الحسن { لَّيَقُولَنَّ } بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى «من» لأن قوله: { لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ } في معنى الجماعة ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن «من» وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ ، وجانب الافراد قد ترجح في قوله: { قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ } [ النساء: 72 ] وفي قوله: { ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } .
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لو كان التنزيل هكذا: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا ، فكيف وقع قوله: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } في البين؟
وجوابه: أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن ، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم ، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة ، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الانسان إلا في حق الأجنبي العدو ، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه ، فأما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة .
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين ، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة ، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله: { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا ، فهذا هو المراد من الكلام ، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن .