فهرس الكتاب

الصفحة 6390 من 8321

أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف ، وهذا ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه ، وقد ذكرنا مرارًا أن الكمالات على ثلاثة أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية ، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين العلم اليقيني والعمل الصالح ، فإن أهل التحقيق قالوا كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله وإليه الإشارة بقوله { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله } ورأس الأعمال الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيمًا في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط ، كما قال: { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة: 143 ] وقال أيضًا: { اهدنا الصراط المستقيم } وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله { ثُمَّ استقاموا } وسمعت أن القارىء قرأ في مجلس العبادي هذه الآية ، فقال العبادي: والقيامة في القيامة ، بقدر الاستقامة ، إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } ليس المراد منه القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة ، فلما ذكر عقيب ذلك القول الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقرونًا باليقين التام والمعرفة الحقيقية ، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما: أن المراد منه الاستقامة في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني: أن المراد منه الاستقامة في الأعمال الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات: قال أبو بكر الصديق Bه: ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره ، قال ابن عباس في بعض الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر Bه ، وذلك أن أبا بكر Bه وقع في أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه ، فكان هو الذي قال: { رَبُّنَا الله } وبقي مستقيمًا عليه لم يتغير بسبب من الأسباب ، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى ، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلهًا بقيت له مقامات أخرى فأولها: أن لا يتوغل في جانب النفي إلى حيث ينتهي إلى التعطيل ، ولا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي إلى التشبيه ، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل ، وأيضًا يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر ، وكذا في الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم ، فهذا هو المراد من قوله { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } وأما على القول الثاني وهو أن نحمل الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة ، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله } متناولًا للقول والاعتقاد ويكون قوله { ثُمَّ استقاموا } متناولًا للأعمال الصالحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت