فهرس الكتاب

الصفحة 7941 من 8321

المعنى وما عابوا منهم وما أنكروا الإيمان ، كقوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب

ونظيره قوله تعالى: { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بالله } [ المائدة: 59 ] وإنما قال: { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ } لأن التعذيب إنما كان واقعًا على الإيمان في المستقبل ، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى ، فكأنه قيل: إلا أن يدوموا على إيمانهم ، وقرأ أبو حيوة: { نَقَمُواْ } بالكسر ، والفصيح هو الفتح ، ثم إنه ذكر الأوصاف التي بها يستحق الإله أن يؤمن به ويعبد فأولها: العزيز وهو القادر الذي لا يغلب ، والقاهر الذي لا يدفع ، وبالجملة فهو إشارة إلى القدرة التامة وثانيها: الحميد وهو الذي يستحق الحمد والثناء على ألسنة عباده المؤمنين وإن كان بعض الأشياء لا يحمده بلسانه فنفسه شاهدة على أن المحمود في الحقيقة هو هو ، كما قال: { وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء: 44 ] وذلك إشارة إلى العلم لأن من لا يكون عالمًا بعواقب الأشياء لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة ، فالحميد يدل على العلم التام من هذا الوجه وثالثها: الذي له ملك السموات والأرض وهو مالكها والقيم بهما ولو شاء لأفناهما ، وهو إشارة إلى الملك التام وإنما أخر هذه الصفة عن الأولين لأن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في القدرة والعلم ، فثبت أن من كان موصوفًا بهذه الصفات كان هو المستحق للإيمان به وغيره لا يستحق ذلك ألبتة ، فكيف حكم أولئك الكفار الجهال يكون مثل هذا الإيمان ذنبًا .

واعلم أنه تعالى أشار بقوله: { العزيز } إلى أنه لو شاء لمنع أولئك الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين ، ولأطفأ نيرانهم ولأماتهم وأشار بقوله: { الحميد } إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها فهو وإن كان قد أمهل لكنه ما أهمل ، فإنه تعالى يوصل ثواب أولئك المؤمنين إليهم ، وعقاب أولئك الكفرة إليهم ، ولكنه تعالى لم يعالجهم بذلك لأنه لم يفعل إلا على حسب المشيئة أو المصلحة على سبيل التفضل ، فلهذا السبب قال: { والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت