فهرس الكتاب

الصفحة 1328 من 8321

قوله تعالى: { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } .

اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق ، وهو الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة .

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له ، فجاءت امرأة إلى عائشة Bها ، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك ، فذكرت عائشة Bها ذلك لرسول الله A ، فنزل قوله تعالى: { الطلاق مَرَّتَانِ } .

المسألة الثانية: اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله ، قال قوم: إنه حكم مبتدأ ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، وهذا التفسير هو قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام ، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار: أن هذا هو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله ابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعمران بن الحصين ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي الدرداء وحذيفة .

والقول الأول: في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله ، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ، ولا رجعة بعد الثلاث ، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث ، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه .

حجة القائلين بالقول الأول: أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق ، لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق ، فصار تقدير الآية: كل الطلاق مرتان ، ومرة ثالثة ، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق ، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع .

فإن قيل: هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون ، وعندي الجمع مباح لا مسنون .

قلنا: ليس في الآية بيان صفة السنة ، بل كان تفسير الأصل الطلاق ، ثم قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر ، إلا أن معناه هو الأمر ، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين ، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر ، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات ، وعلى التشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول: وهو اختيار كثير من علماء الدين ، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثًا لا يقع إلا الواحدة ، وهذا القول هو الأقيس ، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت