قوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى ذكر أمرين: ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر بعدهما أمرين آخرين: اتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ، فكأنه تعالى قابل الأمرين فقال: يضربون وجوههم حيث أقبلوا على سخط الله ، فإن المتسع للشيء متوجه إليه ، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا الله ، فإن الكاره للشيء يتولى عنه ، وما أسخط الله يحتمل وجوهًا الأول: إنكار الرسول E ورضوانه الإقرار به والإسلام الثاني: الكفر هو ما أسخط الله والإيمان يرضيه يدل عليه قوله تعالى: { إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر وَإِن تَشْكُرُواْ يرضَهُ لَكُمْ } [ الزمر: 7 ] وقال تعالى: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية } إلى أن قال: { رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ البينة: 7 ، 8 ] الثالث: ما أسخط الله تسويل الشيطان ، ورضوان الله التعويل على البرهان والقرآن ، فإن قيل هم ما كانوا يكرهون رضوان الله ، بل كانوا يقولون: إن ما نحن عليه فيه رضوان الله ، ولا نطلب إلا رضاء الله ، وكيف لا والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون: إنا نطلب رضاء الله . كما قالوا { لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر: 3 ] وقالوا { فَيَشْفَعُواْ لَنَا } [ الأعراف: 53 ] فنقول معناه كرهوا ما فيه رضاء الله تعالى .
وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: { مَا أَسْخَطَ الله } ولم يقل: ما أرضى الله وذلك لأن رحمة الله سابقة ، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان ، وغضب الله متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال: { رِضْوَانَهُ } لأنه وصف ثابت لله سابق ، ولم يقل سخط الله ، بل { مَا أَسْخَطَ الله } إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة { والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصادقين } [ النور: 9 ] يقال: غضب الله مضافًا لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه ، وقبله لم يكن لله غضب ، و رضوان الله أمر يكون منه الفعل ، وغضب الله أمر يكون من فعله ، ولنضرب له مثالًا: الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة ، فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه ، بل غضبه عليه يكون لإصلاح حالة ، وزجرًا لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلانًا أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ظاهرًا من الفعل ، والفعل الحسن ظاهرًا من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله { مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } .
ثم قال تعالى: { فَأَحْبَطَ أعمالهم } حيث لم يطلبوا إرضاء الله ، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام .