فهرس الكتاب

الصفحة 6723 من 8321

وفيه وجهان أحدهما: أنه استدلال بدلائل الأنفس ، لأنا ذكرنا مرارًا أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الآفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ } [ فصلت: 53 ] ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال: { والأرض مددناها } [ الحجر: 19 ] وفي غير ذلك ذكر الدليل النفسي ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية .

أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف الواو فقال: { والأرض مددناها } وقال: { وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا } [ ق: 9 ] ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا تبعًا لذلك ، ومثل هذا مراعى في أواخر ياس ، حيث قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه } [ ياس: 77 ] ثم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا؟ نقول ، والله أعلم ههنا وجد منهم الاستبعاد بقول { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } [ ق: 3 ] فاستدل بالأكبر وهو خلق السموات ، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك ، وفي سورة ياس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى .

والوجه الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السموات ، لأنه هو الخلق الأول وكأنه تعالى قال: { أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السماء } [ ق: 6 ] ثم قال: { أَفَعَيِينَا } بهذا الخلق ويدل على هذا قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } [ الأحقاف: 33 ] ويؤيد هذا الوجه هو أن الله تعالى قال بعد هذه الآية { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } [ ق: 16 ] فهو كالاستدلال بخلق الإنسان وهو معطوف بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض وتنزيل الماء وإنبات الجنّات ، وفي تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان أحدهما: ما عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه ، والخلق الجديد لم يعلم لنفسه ولم يعرفه كل أحد ولأن الكلام عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق الجديد والوجه الثاني: أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه ، كأنهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية؟ وقوله تعالى: { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ } تقديره ما عيينا بل هم في شك من خلق جديد ، يعني لا مانع من جهة الفاعل ، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد ، لأنهم كانوا يقولون ذلك محال وامتناع وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزًا فيه ، ويقال للمشكوك فيه ملتبس كما يقال لليقين إنه ظاهر وواضح ، ثم إن اللبس يسند إلى الأمر كم قلنا: إنه يقال إن هذا أمر ظاهر ، وهذا أمر ملتبس وههنا أسند الأمر إليهم حيث قال: { هُمْ فِى لَبْسٍ } وذلك لأن الشيء يكون وراء حجاب والناظر إليه بصير فيختفي الأمر من جانب الرائي فقال ههنا { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ } ومن في قوله { مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } يفيد فائدة وهي ابتداء الغاية كأن اللبس كان حاصلًا لهم من ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت