اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد .
والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع ، وقوله { وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } [ النساء: 115 ] إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محرومًا عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محرومًا قطع عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيدًا } يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدًا ، فلا جرم لا يصير محرومًا عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعًا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعًا سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالًا بعيدًا فقال { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ الله } { إن } ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [ النساء: 159 ] و { يَدْعُونَ } بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئًا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله { إِلاَّ إناثا } فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة Bها: إلا أوثانًا ، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله { وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ } [ المرسلات: 11 ] قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة .
القول الثاني: قوله { إِلاَّ إناثا } أي إلا أمواتًا ، وفي تسمية الأموت إناثًا وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى ، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني . الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات .
القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: