فهرس الكتاب

الصفحة 2384 من 8321

{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى } [ النجم: 27 ] والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جمادًا يسميه بالأنثى .

ثم قال: { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيدًا } قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية { وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } ولا شك أن قائل هذاالقول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد ، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء .

ثم قال تعالى؛ { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } وفيه مسألتان .

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : قوله { لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ } صفتان بمعنى شيطانًا مريدًا جامعًا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله { لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتمًا عليهم قطعًا لعذرهم ، وكذا قوله { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } [ البقرة: 237 ] أي جعلتم لهن قطعة من المال .

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظًا مقدرًا معينًا ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي E أنه قال:"من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس". فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددًا من حزب الله .

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر { فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقًا مّنَ المؤمنين } [ سبأ: 20 ] وقال حاكيًا عن الشيطان { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا } [ الإسراء: 62 ] . وحكي عنه أيضًا أنه قال { لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص: 82 ، 83 ] ولا شك أن المخلصين قليلون .

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عددًا من المؤمنين المخلصين ، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس .

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال { لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا } مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر ، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضًا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها: { ولأَضِلَّنَّهُمْ } يعني عن الحق ، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت