في الآية مسائل:
المسألة الأولى: الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي من أهل بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم ، قالوا: وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح ، وروى صاحب «الكشاف» أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة الثاني: قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقًا له والأول أظهر ، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام ، ولم يتقدم ذكر النبي A فعود الضمير إلى نوح أولى .
المسألة الثانية: العامل في { إِذْ } ما دل عليه قوله: { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم .
أما قوله: { إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: في قوله: { بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قولان: الأول: قال مقاتل والكلبي يعني خالص من الشرك ، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله والثاني: قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من المعاصي ، فيدخل فيه كونه سليمًا عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد والحسد . عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه ، وسلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحدًا ، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله ، وهو قوله: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصفة دون صفة ، ويتأكد هذا بقوله تعالى: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالمين } [ الأنبياء: 51 ] مع أنه تعالى قال: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام: 124 ] وقال: { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } [ الأنعام: 75 ] فإن قيل ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ قلنا معناه أنه أخلص لله قلبه ، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب ، ورأيت في التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن من جملة آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال: { إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها .
ثم قال: { أئفكًا آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ } قال صاحب «الكشاف» أئفكا مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكًا ، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم ، ويجوز أن يكون إفكًا مفعولًا به يعني أتريدون إفكًا ، ثم فسر الإفك بقوله: { آلهة دُونَ الله } على أنها إفك في أنفسها ، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى تريدون آلهة من دون الله آفكين .